أبي منصور الماتريدي

466

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وعضتهم . وقال بعضهم : هو على التقديم : أي : آتيناك المثاني والقرآن العظيم ؛ أنزلناه عليك كما أنزلنا التوراة والإنجيل على اليهود والنصارى ؛ فهم المقتسمون كتاب الله ؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض . وقال أبو عوسجة : يقال : عضيت الجزور : أي : قسمتها عضوا عضوا « 1 » . وقال غيره « 2 » : هو من العضة : وهو السحر ؛ بلسان قريش ؛ يقال للساحر عاض . وقال القتبي « 3 » : المقتسمون : قوم تحالفوا على عضة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ؛ وأن يذيعوا ذلك بكل طريق ، ويخبروا به النزاع إليهم . وعضين : أي : فرقوه [ وعضوه ] « 4 » . وقيل « 5 » : فرقوا القول فيه ، وهو ما ذكرنا . والله أعلم . وقوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ . قوله : فَوَ رَبِّكَ : قيل : قسم أقسم به تعالى . لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ : قال بعضهم : الخلائق كلها ؛ كقوله : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] أخبر أنه يسألهم جميعا : الرسل عن تبليغ الرسالة ، والذين أرسل إليهم عن الإجابة لهم . وقال بعضهم : قوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ : هؤلاء الذين سبق ذكرهم ؛ المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين ، والذين استهزءوا برسول الله صلى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ؛ يسألهم عن حجج ما فعلوا ، والمعنى الذي حملهم على سوء معاملة رسوله وكتابه ، لأي : شيء نسبتم رسولي وكتابي إلى السحر ، والكذب ، والكهانة ، والافتراء على الله ؟ لا يسألون ما فعلتم ؟ وأي شيء عملتم ؛ لأن ذلك يكون مكتوبا في كتبهم ؛ يقرءونه « 6 » ؛ كقوله : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] وهو وعيد شديد في نهاية الوعيد والشدة ؛ لأنه وعيد مقرون بالقسم ، وكل وعيد قرن بالقسم فهو في غاية الشدة ؛ إذ لو جاءنا ذلك الوعيد من ملك من ملوك البشر يجب أن يخاف ؛ فكيف من ربنا ؟ ! وقوله - عزّ وجل - : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ .

--> ( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 21374 ، 21385 ، 21386 ) . ( 2 ) قاله عكرمة ، أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن جرير ( 21394 ) عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 198 ) . ( 3 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 239 ) . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) قاله ابن عباس بنحوه ، أخرجه ابن جرير عنه ( 21384 ) . ( 6 ) في أ : يقرءون .